


يستعيد المعرض واحدة من أكثر الظواهر الثقافية والاجتماعية كثافة في التاريخ الفلسطيني الحديث: موسم النبي روبين. فهذا المهرجان الذي استمرّ لقرون جنوبي يافا، لم يكن مجرد تجمع ديني عند مقام تاريخي، بل تحول إلى "مدينة مؤقتة" تُشيّد من الخيام كل صيف، لتصبح مشهداً صيفياً واسعاً يكسر رتابة الحياة اليومية، ويوفر متنفساً اجتماعياً فريداً. تجلّت روح هذا الموسم في العبارة الشهيرة: "يا بتروبنّي يا بتطلّقني"؛ وهي جملة تحمل في طياتها شغفاً هائلاً بالحياة، ودعوة مرمّزة للحميمية، ومساحة لممارسة الحرية والبهجة في سياق اجتماعي كان يتسم بالمحافظة. إن "التروبِن" هنا هو استعادة للجسد وحقه في الفرح، وهو الجوهر الذي يحاول هذا المعرض تتبّعه فنياً وفلسفياً.
تبدأ رحلة الاستعادة من إعادة تعريف "الخيمة"؛ وإعادة تأويل الموسم. تلك البنية التي حولتها الأحداث السياسية إلى رمز للجوء والفقر، بينما كانت في فضاء النبي روبين مرادفاً للرفاهية، الحماس، والاستطاعة المادية التي تلي موسم الحمضيات. واليوم، يعيد الفنانات والفنانون المشاركون فحص هذه المفاهيم، مسقطين عليها وعي العصر المحمّل بدلالات المحو، والمقاومة، والذاكرة.
في العمل التركيبي لأحمد أسعد، قيد الصيانة، يتم استكشاف التوتر بين النظام الخارجي والاضطراب الداخلي. البنية المعمارية الهادئة بألوانها الباستيلية (الهادئة الفاتحة) توحي بالألفة والامتثال المؤسسي، لكن شقوقها الضيقة تدعو المشاهد لمراقبة فضاء داخلي كثيف وغير مستقر، يعكس انقسام الجسد والرغبة بين ما يُفعل علناً وما يبقى غير محسوم في الداخل. هذا التوتر المكاني والجسدي يتخذ بعداً آخر في عمل نور جبارين، مجهول 781، حيث يصبح الفقدان السمةَ الوحيدة للتعرف. تطرح نور تساؤلاً موجعاً حول اختزال الوجوه في أرقام وطمس الملامح تحت غبار النسيان، متسائلة: هل يختفي الإنسان مع اختفاء تفاصيله؟ أم أن غياب الشكل لا يعني غياب الوجود؟
أما مفلح درويش، فيتخذ من عبارة يا بتروّبني يا بتطلقني منطلقاً لتصوير الانقسامات والشروط الشخصية في الحيز المعاصر، مستخدماً اللون الأخضر كعلامة لانتماء شَرطي يحدد علاقتنا بالمكان. وفي سياق متصل بالفضاءات البديلة، يقدم مفهوم "الهيتيروتوبيا" للفيلسوف ميشيل فوكو؛ فيربط بين "موقع أقصى" وهو مقبرة يافا الإسلامية، وفضاء "الرَّيف" (Grave Rave) بوصفه مكاناً تُقلب فيه الهرميات الاجتماعية، لتتحوّل "خُضرة يافا" رمزاً للمقاومة وصرخة لاستعادة الحق في المدينة.
في ثنايا الذاكرة الشخصية، تنطلق آية فخر أيضاً في عملها البيت الأخضر لسه واقف من صورة لبيت درج منزل طفولتها في يافا. البيت قائم لكنه مسكون بالغرباء، مما يثير سؤالاً جوهرياً: "مين ساكن جوّا ذاكرتي بدون ما يدقّ الباب؟". يتحول العمل عبر خزانة المغلفات إلى أرشيف حيّ يفتح مساحة بين الماضي والحاضر، وبين ما بقي وما اختفى من طبقات الزمن. وبمنطق "الإصغاء الطويل"، يأخذنا أحمد برهوم بعمله طَبقات مِن الصّمت عبر تقنية التصوير بالأشعة تحت الحمراء (Infrared) إلى القرى الفلسطينية المهجرة. العمل ليس بحثاً تقنياً، بل وسيلة للتواجد في الطبيعة واستعادة إحساسٍ بحياة لم يعشها الفنان، لكن آثارها حاضرة في صمت المكان وبرودته، محولاً فعل التصوير إلى محاولة لبناء علاقة هادئة مع الغياب.
وعلى الضفة الأخرى من التخيّل، تطرح سدين يوسف مشروعاً لاستعادة موسم النبي روبين والقرية التي احتضنته عبر "واقع مغاير" لدولة فلسطينية نالت استقلالها مبكراً. تتخيل سدين استمرارية الموسم وتطوره المعماري والاجتماعي في ظل الحداثة، فتحوّل الأولوية من "الحق في الوجود" إلى "الحق في العيش والاستمتاع". وفي تداخل إنساني-غريزي، يقدم عبيدة دحلة في عمله سهل طرعان مشهداً رقمياً لامرأة فلاحة تحتضن جسداً هجيناً في فضاء يدمج بين الجليل والساحل. العمل يعيد بناء علاقة الأمومة والاحتضان كفعل حاجة جسدية ونفسية بين الإنسان والمكان، بعيداً عن السيطرة والاقتحام، وبوابة زمكانية تربط قرية روبين المهجّرة بذاكرة البحر المفتوحة.
تستكمل غيد الخطيب هذا التنقيب الفني في تمائم الظلال ومسرح الأطياف، حيث تفكك ما تبقى من الموسم بعد اختفائه؛ الرمل، الشجر، التميمة والخيمة. تقرأ غيد الموسم كـ"مدينة مؤقتة" مشحونة بالماورائيات الشعبية والتمائم التي كانت تحمي الجسد وتسمح له باختبار الحميمية والفرح ضمن نظام اجتماعي بديل. وأخيراً، يختتم سامي بخاري المعرض بحكاية حسون مات.. البندوق مات..؛ قصة فقدان طائر الغناء (الطير المغرَّد) المفضل مقابل حرية الموسم الصيفي. تمثل شخصية البندوق الميت لحظة انكسار الجمال، حيث تتحول المواد (زجاج، رمل، رصاص) في عمله إلى محاولة لاحتواء ذاكرة هشة وغير مكتملة.
بين الرسم، النحت، التركيب، والوسائط المتعددة، يتحول معرض الحنين إلى روبين إلى فضاء لا تكون فيه الذاكرة مجرد شهادة على الماضي، بل مادة حية، متحوّلة ومشحونة، تتحرّك بين الاحتفال والحِداد، وبين الصوت والصمت. إنه دعوة لاستعادة "الموسم" ليس كحدث تاريخي انقضى، بل كمعنى مستمر وقدرة على بناء فضاءات للفرح والحضور في قلب التغييب والتهميش.
رلى خوري
قيّمة المعرض
الفنانون المشاركون
أحمد أسعد (يافا)
هو معماري وفنان متعدد المجالات يعمل بين الفضاءات والمساحات، التركيب، والتجريب المادي. تستكشف أعماله التوتر بين النظام الخارجي والحالات الداخلية، وغالبًا ما تتناول موضوعات التنظيم، المراقبة، النظافة والاحتواء بوصفها حالات جسدية معيشة لا مفاهيم مجرّدة. من خلال توظيف العمارة والصوت والضوء والبيئات المشيّدة، يبتكر أسعد تركيبات منضبطة تُعطي الأولوية للإحساس على السرد، وللتجربة على التفسير. ترتكز ممارسته على الدقة، الضّبط والتباين، عبر توظيف جمالية مؤسسية هادئة لكشف حالات عاطفية ونفسية غير محسومة. ومن خلال هذا النهج، يدعو عمله إلى الإدراك الهادئ بدلًا من الاستعراض، واضعًا التجربة الشخصية في ظرف معاصر مشترك.
قيد الصيانة
يتقصّى هذا العمل التركيبي التوتر بين النظام الخارجي والاضطراب الداخلي، بين ما يُفعل علنًا وما يبقى غير محسوم في الداخل. لا يتناول العمل الدين كموضوع مباشر، بل ينخرط في تجربة المراقبة، وفي الكيفية التي تُشكّل بها الأطر الأخلاقية والاجتماعية الجسد والرغبة والسلوك اليومي.
يقدّم العمل نفسه كبنية معمارية هادئة بألوان باستيلية (هادئة فاتحة) وخطوط نظيفة وإضاءة مضبوطة، توحي بالألفة والنظام والحياد المؤسسي. تبدو كمساحة يُتوقّع من الأجساد أن تتصرّف فيها "على نحو صحيح"، حيث يُنتَج الإحساس بالأمان والامتثال من خلال الضبط والهدوء.
لكن هذا الصفاء ليس سوى سطح الأشياء. فعبر شقوق ضيقة، يُدعى المشاهد إلى الاقتراب دون الدخول الكامل. وهناك في الداخل، تتكشف بيئة كثيفة وغير مستقرة مؤلّفة من إضاءة خافتة، حرارة، وصوت منخفض التردد. لا يقدّم الداخل رموزًا أو سرديات واضحة، بل تجربة جسدية تُحسّ أكثر مما تُفهم.
يعكس العمل انقسامًا بين نقاء خارجي واضطراب داخلي؛ حيث قد تعيد أفعال التنظيم والتنظيف إحكام السيطرة الخارجية، لكنها لا تُنهي الحالة الداخلية التي تحاول احتواءها. لا يسعى العمل إلى الاعتراف أو التطهير أو النقد، بل يخلق مساحة للاعتراف المشترك، مساحة تُبقي التوتر قائمًا بين المرئي والمحسوس، وبين النظام والهشاشة، بوصفه حالة شخصية وعامة في آن واحد.
.jpg)
.jpg)
نور جبارين (مشيرفة)
فنانة متعددة المجالات، ولدت عام 2000، نشأت وترعرعت في قریة مشیرفة، المكان الذي یحمل في ملامحه امتدادًا لقصص الأجداد ولحكایات الأرض. حصلت على شھادة البكالوریوس في الفنون التشكیلیة من جامعة حیفا عام 2023 بمرتبة شرف، وعلى شھادة تدریس الفنون من كلیة بیت بیرل. تواصل دراسة الماجستیر في الفنون في جامعة حیفا. خلال فنھا ورحلة بحثھا في أرشیف عائلتھا، تحمل أصواتًا، تطرح تساؤلات حول ماھیة الإنسان وطرق تعریف الماضي وتجدلھا مع الحاضر.
.jpeg)
مجهول 781
في لحظة ما، يصبح الفقدان السمة الوحيدة التي يمكننا التعرف عليها. حينما تُختزل الوجوه في أرقام، وتُدفن التفاصيل تحت طبقات من الغبار والنسيان، لا يبقى سوى الشك في حقيقة ما يُحتسب. لا يمكننا ملامسة الملامح التي كانت يوماً تنبض بالحياة، ولا الربط بين الجسد الذي كان يحمل اسمًا وحياة كاملة، وبين الرقم الذي وُضع عليه في لحظة غياب.
بينما تتراكم الحكايات، تتفكك الأجزاء في تسلسل غير مكتمل. هل نحن مجرد خطوط مرسومة على سطح الزمن، أم أننا في النهاية نتحول إلى ما لا يمكن إدراكه؟ الأثر الذي تتركه الحروب ليس مجرد آثار جسدية، بل هو تشويه متواصل للهوية والذاكرة. تصبح الملامح، التي كانت تشهد على تاريخ، مجرّد خيوط مهملة أو طمس غير مرئي.
وحده الوقت قادر على تذكّر الأشياء التي نحن على وشك نسيانها، لكنه يظل يراوغ في تعريف ما كان يُسمى، ليعطينا بدلاً من ذلك شيئًا يظل في الخفاء. هل يختفي الإنسان مع اختفاء تفاصيله؟ أم أن غياب الشكل لا يعني بالضرورة غياب الوجود؟
في هذه المساحات غير المحددة، يظل السؤال قائمًا: ماذا يبقى من الإنسان عندما تتلاشى هويته؟ هل يظل الصوت مسموعًا في الفضاء الذي تركه؟ أم أن الذكريات، مثل خيوط الحديد الباردة، تنسج شيئًا جديدًا من ملامح كانت في يومٍ ما حية؟
* تم إنشاء هذا العمل خلال إقامة فنية عام 2025، القدس.

.jpeg)

مفلح درويش (الفريديس)
هو معماري وطالب ماجستير في مدرسة عزرئيلي للهندسة المعمارية في جامعة تل أبيب، حيث أتمّ أيضًا دراسته للقب الأول. تتراوح ممارسته بين العمارة، الأرشيف وإنتاج المعرفة، وتركّز على قضايا الحدود الأمنية، المحو، النسيان والذاكرة في الحيّز، انطلاقًا من اهتمام بالسياقات المحلية والفضاءات المشحونة سياسيًا. نشأ درويش في قرية الفريديس، وتلقى تعليمه في مدينة حيفا، ويقيم حاليًا في يافا - ضمن تسلسل مكاني يعمّق انشغاله بأسئلة الهوية، الحيّز والذاكرة.
منذ عام 2022 يعمل كمفهرس لمجموعات معمارية في أرشيف عزرئيلي للهندسة المعمارية في متحف تل أبيب للفنون، حيث شارك في فهرسة مجموعات مهمة - وهي عملية تشكّل أساسًا لتطوير السرديات وبناء المعارض المعمارية. بالتوازي، يعمل في مكتب "أيلا رون-إل معماريون"، الذي يُعنى بتخطيط المدن إضافة إلى تصميم المباني العامة، الصناعية والسكنية.
الأرشيف الأخضر
مقولة "يا بتروبني يا بتطلقني" تكشف شرطًا يدلنا على أهمية مهرجان النبي روبين وفي القواعد اللغوية، إذ تحمل الجمل الشرطية إنذارًا نهائيًا، أو مطلبًا أخيرًا، أو بيان شروط، يؤدّي رفضه إلى ردّ فعل أو إلى انهيار للعلاقات.
إنها ثيمة متكررة في أزمنة الانقسام، حالة من الصراع، ونقطة تحوّل في العلاقات، غالبًا ما تتميّز بازدواجية حادّة. أردت في العمل تصوير الانقسامات والشروط الشخصية التي أراها حولي. والتي تسمي لونا شرطيًا على علاقاتي مع الحيز. في غضون ذلك، برز الأخضر في كل انتماء شرطي وجدته.
لقد رأى الفيلسوف ميشيل فوكو أنّ العصر الحديث يُعرَّف بالعلاقات المكانية والشبكات أكثر منه بالتطوّر التاريخي للزمن. يقدّم مفهوم "الهيتروتوبيا": أماكن حقيقية ومادية تعمل كـ"مواقع مضادّة"، تعكس أو تناقض أو تقلب معايير الثقافة المحيطة.
وعلى عكس اليوتوبيا، المثالية والمتخيَّلة، تعمل هذه الفضاءات الملموسة - كالمقابر، الحدائق، المكتبات والسجون - وفق منطقها الخاص وقواعدها الزمنية الفريدة. يضع فوكو عددًا من المبادئ لتصنيف هذه المواقع، مشيرًا إلى كيفية إدارتها للانحراف البشري، أو تراكمها للتاريخ، أو خلقها لأنظمة وصول مقيّدة.
Grave Rave هي هيتروتوبيا مزدوجة، لكن ضمن مجموعتين مختلفتين. تُعدّ مقبرة يافا الإسلامية موقعًا أقصى، بلا مكان محدّد: جرف، حديقة بمقاعد لا تنتهي، مغطاة جزئيًا بالباطون ومبيّضة كإجراء حفظ لمنع تكرار سيناريوهات سابقة. إنها بوابة متعالية ومكثّفة المفهوم إلى العالم الآخر. في المقابل، يُعدّ الرّيف (حفل الرقص) فضاءً غير واقعي في جوهره - حلمًا أو "مكانًا بلا مكان"، حيث تُقلب الهرميات الاجتماعية "الفوضوية وغير المحكمة" للحياة اليومية رأسًا على عقب، وتُستبدل بانسجام كامل، لتتحوّل "خُضرة يافا" رمزاً للمقاومة وصرخة لاستعادة الحق في المدينة.

.jpeg)
آية فخر (يافا)
هي فنانة متعددة المجالات تعمل في التصوير الفوتوغرافي، والنص، والممارسات الأدائية. درست الفن والتواصل البصري في سمينار هكيبوتسيم، وتحمل شهادة تدريس في الفن. تستكشف أعمالها مفاهيم الذاكرة، والبيت، والهوية، من خلال المزج بين الصورة، والنص، والأرشيف الحيّ، انطلاقًا من السياق الاجتماعي والمعماري لمدينة يافا.

الأرشيف الأخضر
"ينطلق هذا العمل من صورة لبيت الدرج في “البيت الأخضر” — البيت الذي نشأتُ فيه في يافا.
البيت ما زال قائمًا، لكن أجزاءً منه لم تعد تعود لعائلتي. الطابق العلوي، الذي كان يومًا جزءًا من حياتنا، يسكنه اليوم أناس آخرون. علاقتي بهم جيدة، لكن في كل مرة أرفع رأسي نحو الدرج، يعود إليّ السؤال: مين ساكن جوّا ذاكرتي بدون ما يدقّ الباب؟
يتمحور العمل حول صورة فوتوغرافية كبيرة توثّق بيت الدرج كما يبدو اليوم؛ جدران متشققة، آثار زمن، وضوء يدخل إلى مكان عرف يومًا حياة كاملة. إلى جانب الصورة تقف خزانة قديمة تحتوي على مغلفات بداخلها إجابات جمعتها من أشخاص مختلفين حول السؤال نفسه. تحمل هذه الإجابات حكايات وذكريات شخصية مختلفة، وتكشف كيف يسكن كل إنسان ذاكرته بطريقته الخاصة. لتتحوّل الخزانة إلى أرشيف حيّ لأصوات وتجارب تتقاطع مع ذاكرة المكان.
يضم العمل أيضًا صورًا صغيرة من الألبوم العائلي، كآثار لذاكرة شخصية تتداخل مع ذاكرة الآخرين، وتفتح مساحة بين الماضي والحاضر، وبين ما بقي وما اختفى. يتناول العملُ البيتَ ليس كمكان مادي فقط، بل كحيّز زمني وعاطفي تبقى الذاكرة تسكن داخله حتى بعد تغيّر المكان. فالبيت ما زال قائمًا، لكن معناه تغيّر. لم نفقد فقط جزءًا من البيت، بل طبقة كاملة من الزمن.
البيت الأخضر لسه واقف، لكن تتعايش داخله بالتزامن حالات من الحضور والغياب، الذاكرة والفقد، والحنين لما لم يعد كما كان.

أحمد برهوم (القدس)
فنان ومصوّر فوتوغرافي وطالب في قسم التصوير في أكاديمية بتسلئيل حاليا، يعمل في مجالات التصوير التناظري والتجريبي، مع تركيز خاص على تقنيات الفورمات الكبير، الغرفة المظلمة، والطباعة اليدوية. ينطلق عمله من اهتمام مستمر بالعلاقة بين الصورة، المكان والزمن، وباستخدام التصوير كأداة للتأمل والبحث، لا كوسيلة تمثيل فقط. تشكّل التقنيات البطيئة، مثل التصوير بالأشعة تحت الحمراء، جزءًا أساسيًا من أداء الفنان, لما يفرضه من حضور جسدي، انتباه وصبر، ولما يثير من أسئلة حول الرؤية وحدودها والتعامل مع ما لا يظهر مباشرة على السطح. إلى جانب ممارسته الفنية، يمتلك برهوم خبرة في العمل التربوي مع طلاب مدارس ضمن برامج تعليمية مختلفة، حيث يستخدم التصوير كوسيلة تعبير، تنمية للحس البصري، وبناء علاقة واعية مع المادة والبيئة. كما يسعى من خلال عمله إلى تطوير مشاريع تجمع بين الممارسة الفنية، التعليم، والبحث المرتبط بالمكان والطبيعة.
طَبقات مِن الصّمت
اكتشفت أن عملي بتقنية التصوير بالأشعة تحت الحمراء ليس بحثًا في التقنية بحد ذاتها، بل وسيلة تدفعني للخروج إلى الطبيعة والتواجد فيها. يغيّر الـ Infrared علاقتي بالمكان، ويجعل فعل التصوير أبطأ وأكثر تأملًا وانتباهًا. من خلاله، أبحث عن شكل بصري مختلف، وعن حالة موجودة في المشهد نفسه: صمت، برودة، حنين خفيف، وتوتر كامن في المكان.
غالبًا ما أصوّر في قرى فلسطينية مهجّرة، وهناك يدور تفكير مستمر حول كيف كانت الحياة في هذه الأماكن سابقًا، قبل النكبة وحتى قبل مئات السنين. ومع وجود كم كبير من الصور الأرشيفية والتوثيق المباشر لهذه القرى، شعرت أنني لا أريد إعادة إنتاج نفس الصورة أو نفس طريقة الرؤية، بل محاولة بناء علاقة مختلفة ونظرة جديدة وأكثر هدوءًا مع المكان. فما يجذبني ليس استعادة الماضي بشكل مباشر، إنما الإحساس القريب منه، ذلك الحنين إلى حياة لم أعشها، لكن آثارها ما زالت حاضرة في الطبيعة، في بقايا البيوت، وفي الصمت الذي يملأ المكان.
كما أن العمل بأشعة لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة يضيف عنصر مفاجأة لا يظهر إلا بعد تحميض الفيلم، وهذا أصبح جزءًا أساسيًا من التجربة بالنسبة لي. هناك أيضًا مفارقة في استخدام هذه التقنية، فقد ارتبطت تاريخيًا بالمراقبة والكشف والرؤية من بعيد، بينما أنا أستخدمها كفرد يحاول الاقتراب من المكان والتواجد داخله. بهذا المعنى، يتحول التصوير إلى فعل إصغاء وتأمل طويل، حيث تصبح الطبيعة وبقايا القرى المهجّرة مساحة للتفكير في الزمن والغياب وما تبقى من أثر الحياة.
.jpg)
.jpg)
سدين يوسف (رام الله)
هي معمارية وباحثة وفنانة في المجال البصري، تتمحور ممارستها حول التقاطعات بين المكان، الأرشيف، والسردية. تخرّجت من جامعة بيرزيت عام 2023، بتخصص الترميم وحفظ المباني، وتعمل على تتبّع وإعادة تشكيل السردية الفلسطينية من خلال مقاربات عابرة للمجالات.
تنطلق أعمالها من فهم العمارة ليس كشكل فقط، بل كأداة قراءة وتجميع، حيث توظّف مهاراتها في العمارة الاستقصائية، التحليل المكاني، المواد الأرشيفية، والسرد البصري، لإعادة تركيب الحكايات المبعثرة ومواجهة محاولات محوها. قامت بتأسيس "ستوديو مَسارِد فلسطين"، وهو مساحة بحثية-إبداعية تعمل على استكشاف السردية الفلسطينية وتاريخها وثقافتها من خلال العمارة والمكان، وهي أيضاً من مؤسسي "تعاونية أطر معماري". تأتي مساهمتها في مشروع النبي روبين انطلاقًا من اهتمام مستمر بكيفية تشكّل الذاكرة والطقوس والحياة الجماعية داخل المكان، وكيف يمكن إعادة تجميعها من خلال الشهادات، الأرشيف والآثار البصرية.
موسم النبي روبين
في واقع ُُمغـاير: يا فرحة وتمت
تحمل المواسم الفلسطينية الشعبية إرًثا ثقافًيا غنًيا ملموسا وغير ملموس، قد طُمَس وتعّرض للنسيان نتيجة نكبة عام 1948. وُيعّد موسم النبي روبين أهم المواسم الشعبية التي كانت ُتقام في فلسطين قبل الـ48. حيث تحّول من احتفال ديني تقليدي إلى مصيف هادئ ومتنّفس صيفي، يلجأ إليه الفلسطينيون هرًبا من ضغوط حياتهم اليومية.
يهدف هذا المشروع إلى استكشاف، استعادة، تحليل وابراز الجوانب الاجتماعية–المكانية لموسم النبي روبين والقرية التي احتضنته، بطرق فنية متعددة الوسائط (قصص مصورة/تحريك/خرائط/فيديوهات/مجسمات ثلاثية الأبعاد)، من خلال وضع الموسم في سياق "واقع مغاير" لدولة مستقلة، اخذت استقلالها بعد ثورة عام ال1936. يُتخيل الموسم بعمارة ومساحات مكانية كما لو أنه لم يتوقف أبدًا، في زمن نشأت فيه مظاهر متعددة من الحداثة في النصف الأول من القرن الماضي، وسبل اندماج هذه الحداثة في موسم النبي روبين على امتداد القرن العشرين. وأخيًرا، تتخّيل الدراسة نوع العمارة والبرنامج المكاني، الثقافي والاجتماعي الذي كان يمكن أن ينشأ عندما تتحول أولوية الفلسطيني من الحق في الوجود، الى العيش والاستمتاع.

.png)
عبيدة دحلة (طرعان)
فنان بصري فلسطيني من قرية طرعان في الجليل الأسفل. يعمل ضمن وسائط فنية متعددة تشمل النحت الخزفي، الرسم بالحبر والرسم الرقمي، ويتابع حاليًا دراساته العليا في الفنون (MFA) في جامعة حيفا، إلى جانب عمله محاضرًا في كلية لينكس في الناصرة.
تنطلق ممارسته الفنية من العلاقة بين الإنسان والمكان والتحولات التي أصابت المشهد الفلسطيني بصريًا واجتماعيًا بعد النكبة، مع اهتمام خاص بالهوية المتحوّلة، والذاكرة، والعمارة، والطبيعة، والاستمرارية الفلسطينية داخل واقع استعماري مستمر. يعيد في أعماله صياغة المشهد المحلي عبر الأساطير الشعبية، والرموز الحيوانية، والعناصر المعمارية والطبيعية، محاولًا كسر الصور النمطية المرتبطة بالفلسطيني والمكان، وبناء لغة بصرية تنطلق من التجربة المحلية والذاكرة المعاشة.
سهل طرعان
يقترح المشروع عملاً بصريًا رقمياً مطبوعاً يصوّر مشهداً مركّباً بين شخصيتين في تفاعل إنساني–حيواني–بيئي، يتمحور حول الفرد بوصفه جزءًا من جماعة أوسع، ضمن هوية فلسطينية تتشكل بين الخاص والعام، وبين الجليل والساحل داخل حدود فلسطين التاريخية. يأتي العمل في سياق دعوة "الحنين إلى روبين"، حيث يتقاطع الداخل مع الساحل ضمن علاقة من الاستمرارية والانقطاع منذ النكبة.
يتمحور المشهد حول امرأة فلاحة فلسطينية جالسة في فضاء مفتوح يشبه السهل، تحتضن جسداً هجيناً (إنسان/قنطور) في فعل رضاعة مباشر. تُستحضر ملامحها من الذاكرة العائلية، فيما يظهر الجسد الذكوري قويًا لكنه منحنٍ ومعلّق، في مقابل جسد أنثوي ممتلئ وهادئ. يظل التباين بين الجسدين حاضرًا دون تثبيت معنى واحد له.
داخل العمل، تظهر بوابة زمكانية على هيئة ساعة، تعمل كعنصر يفصل ويربط في آن، تتجسّد فيها قرية النبي روبين المهجّرة ومئذنتها، مع حضور البحر كامتداد لذاكرة مفتوحة. ويحيط بالمشهد سهل من الجليل، تقابله في الخلفية غابة صنوبر كثيفة.


غيد الخطيب (الناصرة)
مهندسة معمارية متخصصة في الترميم والتجديد الحضري، مؤسِّسة حراك "رُما"، وتدير استوديو "بين الميد والغيم". تعمل كباحثة نظرية وميدانية وفنانة متعددة الوسائط ضمن ممارسة متعددة المجالات، تبحث من خلالها في قضايا العدالة المكانية والموروث المعماري وعلاقة الإنسان بالحيّز، خصوصًا في ما يتعلق بالمحو والتهجير. تتحرك ممارستها عبر المواد العضوية والمعرفية، والتي تتمثل في حفظ ومراعاة وتجديد الكينونة الفلسطينية بين الواقع والخيال، ضمن سرديتها الحسية والمادية.
تمائم الظلال ومسرح الأطياف
ينطلق العمل من تفكيك ما تبّقى من هذا الموسم بعد اختفائه: ليس الصور ولا السرديات المكتوبة، بل المادة، الأثر، والظل. سؤال البحث: كيف تتحّول المادة الطقسية الكرنفالية، مثل الرمل، الشجر، الظل، الحجر، التميمة والخيمة، إلى أداة تحليل تكشف التشابك بين الفرح الجماعي والخراب السياسي في موسم النبي روبين؟
يتعاطى المشروع مع موسم النبي روبين بوصفه مدينة مؤقتة؛ فضاءً موسميًا جمع المسكن والاحتفال، الطقس والاقتصاد، الجسد والذاكرة. وتشير الرموز المواربة التي أحاطت بالموسم إلى منظومة خفية من الممارسات التي سمحت للجسد الفلسطيني باختبار التجمع، الحميمية، والفرح ضمن نظام اجتماعي بديل ومعلّق زمنيًا.
من خلال ذلك، يخلق العمل مسرح ظلال معماريًا تتجسد فيه شظايا ذاكرة هذه المدينة المؤقتة، حيث تتحول العناصر المادية والأجساد والظلال إلى بقايا حيّة تستدعي المكان وتعيد مساءلته. لا يسعى العمل إلى إعادة تمثيل الموسم كما كان، بل إلى تتبّع أثره المتلاشِي، وفتح حيّز تتقاطع فيه الذاكرة، الفولكلور والخيال، وفتح أسئلة جديدة حول ما تبقّى من الموسم بعد اختفائه، وكيف يمكن لشظايا الذاكرة والمادة والظل أن تعيد تشكيل المدينة المؤقتة، أو ربما تقودنا نحو إجابة محتملة لسؤالها الغائب.
*رافق العمل عرض أدائي لحلا سالم

.jpeg)
سامي بخاري (يافا)
فنان وسائط متعددة من مواليد يافا ويقيم فيها. خريّج المدرسة العليا للفنون التشكيلية في مرسيليا – فرنسا (1992)، وحاصل على بكالوريوس في تاريخ الفن من الجامعة العبرية في القدس (2016). يتركّز عمله أساسًا في التصوير الفوتوغرافي بالأبيض والأسود وفي النحت المعاصر. عام 1994، وبعد إقامة قاربت عشر سنوات في فرنسا، عاد إلى البلاد وعمل كرسّام في مجال الديكور والإنتاج للإعلانات التلفزيونية. ومنذ عام 1997 عمل في سلك التعليم في المدارس الرسمية. في بداياته الفنية انشغل بأعمال تقع على حافة البساطة والابتذال، محاولًا تحويل كل غرض أو مادة يومية إلى كائن فنّي بأقل قدر ممكن من التدخل. ومع مرور الوقت، ونظرًا للواقع المتوتر والصراعات في البلاد، تطوّر الحسّ الساخر الذي رافق أعماله إلى ممارسة فنية أكثر نقدًا ونَفَسًا احتجاجيًا، تتمحور حول الهوية الفلسطينية والتوترات المحيطة بها.

حسون مات.. بندوق مات..
روى لي أبو عبد الله رحمه الله أنّه في شبابه كان الأطفال والفتيان يصطادون طيور الغناء، بدافع الشغف أو بدافع التباهي بمن يمتلك الطائر الأجمل تغريدًا. كان أبو عبد الله مقتنعًا بأنه امتلك طائر "الأسمهان" الذي يطمح إليه الجميع، وعلى الرغم من أنّ كثيرين طرقوا بابه لشرائه بثمنٍ جيّد، فقد رفض بإصرار وباعتداد زائد، حتى عرض جاره تاجر الطيور السخي.
حين كان يتحدث عن الطائر، كان يستخدم كلمة "يتكلّم" بدل "يغنّي"، وكان يردّد جُملاً مثل:"تراهلالي ليليسِرُو سوي سوي سُويل ليل ليل... هكذا يتكلّم طائر يعرف كيف يتكلّم!"
مرّت الأيام، وفي أواخر الصيف يتدفّق حشد كبير من كل مدن فلسطين إلى يافا للمشاركة في الموكب الذي يفتتح "مهرجان روبين" من ساحة الساعة. لم يُفوّت الفتى أبو عبد الله هذه الفرصة للانضمام إلى الحشود المبتهجة، لكن ليس قبل أن يُلحّ على والدته أن تعتني بالطائر وتوفّر له طعامه.
بعد استجمام لمدة أسبوعين، عاد إلى بيته، ليكتشف مصدومًا أن طائره يرقد ساكنًا في قفصه، متيبسًا على ظهره، ورجلاه نحو الشمس الحارقة. بكى الفتى وناح وحدّ على الفقدان، وحتى عندما حاول تاجر الطيور مواساته بطائر آخر من اختياره، رفض. ومنذ ذلك الحين، قضى حبّه لروبين وللحرية على حبّه لطيور الغناء.
تتناول أعمال المعرض جوهر الذاكرة، تحوّلاتها ودورها في تشكيل الهوية الفردية والجماعية. من خلال صورة الطائر الميت وصورة الحمامة الراقدة، يتحوّل المعرض إلى فضاء لا تعود فيه الذاكرة مجرد شهادة على الماضي، بل مادة حيّة تتحرك بين الاحتفال والحداد، بين الصوت والصمت، وبين الصرخة والفعل.
*البندوق هو طائر هجين، بين الحسون والكناري، مرغوب بسبب تغريده العذب ومظهره الأخّاذ.
_JPG.jpg)
قيمة المعرض: رلى خوري | قيّمان مساعدان: أحمد حليوى وماسة عمر | تصميم غرافيكي: هيا قعوار | تصميم المعرض: أحمد أسعد
إدارة تقنيّة: مروان سطل | المدير: محمود أبو عريشة | مساندة إنتاجية: آلاء غسان | شكر خاص على المبادرة والتعاون: نزار حليوى