


في المطحنة: تاريخٌ ليافا, حاضرٌ, ومستقبل
يحوّل معرض في المطحنة مبنى مطحنة القمح القديمة على طريق سلمة، الذي يعود بناؤه إلى أكثر من قرن، إلى فضاءٍ فنيّ تتقاطع فيه الأزمنة. حيث يربط بين الماضي والحاضر من خلال أعمال فنيّة وأدائيّة معاصرة. كانت المطحنة يومًا رمزًا للتقدّم واتّساع المدينة خارج أسوار يافا القديمة، غير أنّها اليوم تقف شاهدةً على تاريخٍ من التحوّل، الفقدان، والتجدّد. تحمل جدرانها آثار الزمن وتقلباته، وتكشف طبقاتها المعمارية تعاقب حلقات الازدهار والغياب وإعادة التشكل.
يجمع المعرض فنانين وفنانات من يافا وخارجها، ويدعوهم للتفاعل مباشرةً مع عمارة المطحنة وطبقات تاريخها المتعدّدة. من خلال أعمالٍ تركيبيّة، رسم، تصوير فوتوغرافي، فيديو آرت، وعروضٍ أدائيّة. تكشف الأعمال كيف تتشابك الذاكرة مع الخيال داخل هذا الفضاء المشحون والمفعم بالمعاني، ليُعاد تخيّل المطحنة بوصفها فضاءً للذاكرة: يحفظ السرديات المنسيّة ويفتح في الوقت ذاته أفقًا لتصوّرات مستقبلية ممكنة.
لا يتعامل المعرض مع المطحنة كمجرّد خلفية محايدة، بل كفاعلٍ حاضر في بُنية الأعمال الفنية ذاتها. فقد دُعي الفنانون والفنانات للإنصات لجدرانها وملمسها وصمتها، والسماح للمكان بأن يقود عملية الإنتاج الفني. وهكذا نتجت أعمالًا متأرجحةً بين التوثيق والتخيُّل، وبين الذاكرة الشخصيّة والهويّة الجمعيّة، لتتساءل عن كيفيّة تشكّل الروايات وحفظها، وكيف يمكن للفن المعاصر أن يكسر القراءات الجامدة للتاريخ وأن يقترح إمكانيّات جديدة لسرد المكان.
من خلال إبراز العلاقة بين الفنّ، الحيّز، والوعي التاريخي، يتأمّل المعرض كيف يمكن للعمارة أن تكون في آنٍ واحد شاهدةً وفاعلةً في التحوّل. وفي هذا السياق، تصبح المطحنة موقعًا للتفكير في سياسات الذاكرة والانتماء في يافا اليوم.
في جوهره، يستعيد المعرض هذا الموقع كأرشيفٍ حيّ- فضاء تبقى فيه الحكايات في حركةٍ دائمة بدلاً من أن تُغلَق في الماضي. يُبرز معرض "في المطحنة" أنّ حكاية يافا ليست واحدة ولا مكتملة، بل تُكتَب من جديد وباستمرار عبر فعل الذاكرة والممارسة الفنّيّة والخيال الجمعيّ. تصبح المطحنة موقعاً للّقاء بين الماضي والمستقبل، بين الماديّ والمجازيّ، بين الفقد والتجدّد.
رلى خوري
قيّمة المعرض
الفنانون المشاركون

ولد البروفيسور أسد عزي عام 1955 في شفاعمرو، وتلقى تعليمه في شفاعمرو وكريات آتا. بعد تخرّجه، واصل دراسته العليا في حيفا حيث تخصص في الفنون الجميلة، وهناك اكتشف شغفه بالنحت والرسم. قاده اهتمامه بالنحت إلى العيش في مدينة كارارا الإيطالية ودراسة نحت الرخام. يمتد مسار تعليمه في الفنون عبر مؤسسات عديدة ومتنوعة، من كلية بيت بيرل إلى جامعة حيفا. يظهر شغفه بالفن ليس فقط من خلال عمله الفني المستمر عبر وسائط متعددة، بل أيضًا في نشاطه الأكاديمي والبحثي إذ كتب مقالات وكتبا حول الفن الفلسطيني المعاصر، بالإضافة إلى ثلاثة دواوين شعرية بالعربية. يقيم عزي حاليا بين يافا وشفاعمرو، حيث يواصل الإبداع، البحث، التفكيك، وإعادة ابتكار فنه.
أسد عزي
(شفاعمرو، 1955)
يسعى الفنان أسد عزي من خلال أعماله إلى عكس وتفكيك واقع العربي المتعلم في مجتمعنا الحديث». تستخدم الخرائط ووثائق تخطيط المدن كقوالب أو كمساحات قماشية يسكب الفنان عليها رؤيته للعالم. تتحوّل المشاهد الجوية للمدن إلى طبقات متداخلة من الألوان، قصاصات ورقية وتفاصيل مصغرة داخل لوحات أكبر، لتولد منها رؤية جديدة للعالم كما يختبره الفنان ويعيد تأويله. تتقاطع التعبيرات الفنية المعاصرة عند الفنان مع منحوتاته الخشبية التي تستحضر ملامح عمارة تقليدية قديمة فتقف جنبا إلى جنب مع كولاجات ولوحات تتأرجح بين الفوضى والدقة، في توازن بصري يعكس ازدواجية الواقع ذاته.



إيناس أصرف أبو سيف فنانة فلسطينية متعددة التخصصات، تعمل في التصوير الفوتوغرافي والرسم والأداء. ولدت ونشأت في يافا، وهي أم لابنين. تستكشف هويتها من خلال الفن. تدرس تاريخ الفن في الجامعة وهي أيضا ناشطة اجتماعية. صاحبة مشغل -fruitsbasketprint house للطباعة باستخدام ألواح اللينوليوم في يافا . في أعمالها تبحث في الروابط بين المكان والذاكرة والمناظر الطبيعية، مستخدمةً تقنيات الطباعة والتصوير ومواد محلية من بيئة يافا . تدمج الفنانة في أعمالها بين الشهادة الشخصية والنظرة النقدية إلى الواقع الاجتماعي. وتبحث بشكل مستمر عن طرق جديدة لرواية قصة المكان عبر طبقات من المادة، الصورة، والذاكرة.
إيناس أصرف أبو سيف
(يافا، 1994)
للفنانة علاقة وثيقة مع البحر، فهي تراه جزءًا لا ينفصل عنها منذ ولادتها وحتى ولادة أبنائها. خلال العام الماضي، عملت أبو سيف على تنظيف هياكل عظمية الأسماك، في مواجهة خوفها العميق منها، واختارت أن تتحدى نفسها وتكشف ما كان خفيًا عن عينيها . يافا بالنسبة للفنانة لغز غير مُفَسِّر، وتاريخ كامل لمدينة 9 مولدها أخفي وغيب عنها . للمكان الذي ترتبط به أبو سيف عاطفيًا تاريخ مؤلم، وغالبًا ما يصعب عليها أن ترى جمال مدينتها، وكم هي موجعة في الوقت نفسه. تصور يافا وتُقدّم كمكان أيقوني للسياح، لكن الفنانة ابنة يافا، تشعر بالضيق من استغلال جمالها دون وعي أو اعتبار في عملها، تحاول أبو سيف أن تدمج بين مشهدين مألوفين - سواء للعين السياحية أو المحلية - عربة لوح انقاذ لمنقذ غائب ولم يعد بعد، مع ألواح تحتوي على هياكل عظمية لأسماك.

رأفت حطاب ولد في يافا عام 1981. تلقى تعليمه في المدرسة الفرنسية College des Frères de Jaffa ثم واصل دراسته الثانوية في المدرسة البلدية العبرية «إيروني زين» في يافا. في عام 2005، أنهى دراسته لنيل اللقب الأول في كلية الفنون - همدراشا في بيت بيرل، حيث تخصص في التربية الفنية. وفي عام 2015، أكمل دراسته لنيل اللقب الثاني في برنامج الـ MFA في أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم في القدس. يُعدّ حطّاب من الفنانين المؤسسين للغاليريا التعاونية «ألفرد» في تل أبيب عام 2005، وكان عضوًا فيها حتى عام 2012. منذ ذلك الحين، يواصل عمله كفنان مستقل، حيث تتناول أعما له قضايا الهوية، والانتماء، والذاكرة، وتدمج بين الأداء والفيديو والفن المفاهيمي في بحث بصري وشخصي حول الوجود الفلسطيني في الفضاء العام.
رأفت حطاب
(يافا، 1981)
تناول رأفت حطاب في عمله حورية فعل الوشم كميثاق رمزي بين الجسد والمكان، حيث تنقش على صدره عبارة «يافا عروس فلسطين بخط عربي مزخرف، في محاولة لعقد عهد من الحب والوفاء بين المدينة وابنها. بهذا الفعل، يزعزع حطاب المفاهيم التقليدية لتشكيل الهوية في المجتمع الفلسطيني، إذ إن الوشم محرم في الإسلام، ويصبح هنا فعل مقاومة وانتماء في آن. في الفيديو، يحاور عمته يسرى التي تروي تاريخ العائلة المهجرة من قرية جماسين الغربي عام 1948 إلى يافا ، متتبعة عبر الذاكرة تحوّلات المكان والشتات الفلسطيني. يمتزج السرد الشخصي بالوطني في شهادة عمته، حيث يتجلى الدور النسوي في نقل الحكاية بعد وفاة الجد الراوي، تحولت الجدة الأمية إلى حافظة الذاكرة وناقلة السرد، لتورث صوتها إلى ابنتها وحفيدها . في حورية تمثل حورية شواطي المنشية رمزا للانتماء إلى الأمة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تجسيدا لحركة مستمرة تتخطى حدود الانتماء الضيق.



ولدت مي غرابلي ونشأت في يافا، وتعيش اليوم في إسبانيا. تحمل تجربة النشأة في مدينة مختلطة مثل يافا في طياتها نعمة ونقمة في آن واحد. تقول مي إن الإنسان يتعلم كيف يندمج مع محيطه دون جهد، لكن الثمن يكون التخلي عن أجزاء من ذاته، عن لغته وهويته. مثل كثيرين من أبناء جيلها، لم تسمع مي عن حكايات أجدادها وما عاشوه خلال النكبة، إذ كانت القصص موجعة أكثر من أن تُروى، وكبار السن فضّلوا الصمت على استعادة الذاكرة. تعرفها المتأخر على جذورها الفلسطينية وتراثها كان رحلة بحث طويلة، تجمع فيها الفنانة الشظايا والأسئلة لتملأ فراغ سنوات من الغياب وعدم إدراك الواقع.
مي غرابلي
(يافا، 1997)
يرتبط الطعام ارتباطًا وثيقًا بالهوية، وهي محور أساسي في أعمال الفنانة مي غرابلي يروي الطعام قصصًا عن الناس الذين يتناولونه، وعن الأرض التي يأتي منها، وعن العادات التي تشكّله وتمنحه معناه. بدأت الفنانة بالعمل على لوحة فطور فلسطيني» بتركيز تام على الأطباق نفسها. رسمت كل طبق كشكل من أشكال التوثيق الثقافي، دون أن تعرف بعد أن هذه ستكون المرة الأولى التي تقدّم فيها شخصياتها الصغيرة الفلسطينية المميزة.
رغم أن معظم الأطباق الظاهرة بسيطة ويومية، إلا أن كمية كبيرة من الطعام الذي نأكله تتطلب ساعات من التحضير والتعاون. تحضير الطعام معا ليس مجرد عمل، بل هو أيضًا حكاية واتصال عبر الأجيال. فالطعام لا يصل إلى المائدة دون الصبر وجهد العديد من الأيدي. عبر عملها تظهر الفنانة الطعام بشكل أوسع من مجرّد غذاء؛ بل هو ذاكرة، وأرض، ومجهود . إنه عائلة، ومجتمع، وتاريخ. إنه من نكون.

ماريو مرقس درس الرسم والتصوير ومبادئ الفن في مرسم الفنان مارك ياناي في القدس ويحمل أيضًا دبلوما في الهندسة المعمارية من كلية شنكار للهندسة التطبيقية (2012، تل أبيب). يرتكز عمله على الرسم المستمد من التأمل والمراقبة، حيث تعكس بعض أعماله رؤيته للواقع، بينما تنبع أخرى من خياله، وتنجز باستخدام وسائط مختلفة مثل الرسم بالألوان الزيتية أو المائية. تشكّل عمارة يافا وتاريخها أيضًا مصدر إلهام رئيسي في أعمال مرقس الفنية.
ماريو مرقس
(يافا، 1991)
تركز الأعمال التي يقدّمها مرقس في هذا المعرض على عمارة يافا، مبانيها وهياكلها ذاتها. وكأنه عالم آثار يحفر في التاريخ، يحاول مرقس الوصول إلى الطبقة الخالدة - الطبقة "السحرية" ليافا - تلك التي تنكشف في حكايات التاريخ والأسطورة، في الثقافة المحلية، وفي الأزقة القديمة التي تختفي تدريجيًا في زمن الحداثة. من خلال تجواله في شوارع المدينة، سيرًا على الأقدام أو على دراجته، يتأمّل بقايا البيوت التي ما زالت قائمة، محاولا تخيل المشاهد التي كانت ترى من نوافذها، والتقاط لحظات من أيام لم يعشها قط.



سامي بخاري، فنان وسائط متعددة من مواليد يافا ويقيم فيها . خريج المدرسة العليا للفنون التشكيلية في مرسيليا - فرنسا (1992)، وحاصل على بكالوريوس في تاريخ الفن من الجامعة العبرية في القدس (2016). يتركز عمله أساسا في التصوير الفوتوغرافي بالأبيض والأسود وفي النحت المعاصر عام 1994، وبعد إقامة قاربت عشر سنوات في فرنسا، عاد إلى البلاد وعمل كرسام في مجال الديكور والإنتاج للإعلانات التلفزيونية. ومنذ عام 1997 عمل في سلك التعليم في المدارس الرسمية في بداياته الفنية انشغل بأعمال تقع على حافة البساطة والابتذال. محاولا تحويل كل غرض أو مادة يومية إلى كائن فنّي بأقل قدر ممكن من التدخل. ومع مرور الوقت، ونظرًا للواقع المتوتر والصراعات في البلاد، تطوّر الحس الساخر الذي رافق أعماله إلى ممارسة فنية أكثر نقدًا ونفسًا احتجاجيًا، تتمحور حول الهوية الفلسطينية والتوترات المحيطة بها.
سامي بخاري
(يافا، 1964)
مع اقتراب معرض في المطحنة، انجذب بخاري إلى الفجوة بين ماضي المبنى كمصدر للطعام، وبين تحوّله لاحقا إلى برج حراسة عسكري. هذا التناقض أعاد إلى ذاكرته مجسما فنيا سبق أن ابتكره من طرف خبز الباغيت، شكله على هيئة رأس سمكة قرش ذلك الخبز الذي يرمز بالنسبة إليه في آن واحد إلى الحياة وإلى العنف.
لاحقا، وبالإلهام من لوحة للفنان من عام 2024 التي تصور بورتريه لـ «رجل مغبر بالأبيض»، استخدم بخاري تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج شخصيات العمال «مغبرين» يبدون فرحين بعملهم. هذه الشخصيات قادته إلى سلسلة من الصور التي تستحضر الناجين من تحت الركام المغمورين بالغبار الرمادي ومن هناك توصل إلى شخصيات تحمل أكياس الطحين وتتحرك في المسافات الموجودة بين الحياة والموت.
وفي هذا السياق تحوّلت برسيفون، إلهة خصوبة الأرض والفصول في الميثولوجيا الإغريقية، إلى شخصية أقرب في نظره إلى ملاك الموت ككيان يفضّل عالم الأسفل على عالم الأحياء. وقد رأى فيها بخاري استعارة المجتمعات تفضل فرض طقوس الموت بدل الاحتفاء بالحياة.