

مسافة مزدوجة: انتشال واستحضار
يجمع هذا المعرض بين نمطين متمايزين من 'الانتشال': أحدهما ماديٌّ أرشيفي، والآخر بصريٌّ وتصوّريّ، لتقصّي الفنّ بوصفه حيّزاً لذاكرةٍ حيّة، لا مجرد سجلٍّ جامدٍ لما مضى.
غالباً ما يُختزل التوثيق في فعلِ حفظٍ يرمي إلى تجميد الزمن، إلا أن هذا المعرض يطرح رؤيةً مغايرة؛ فالتوثيق حين يتناول نصباً تذكارياً، يتحول إلى حيّزٍ حيّ لـ 'الاستحضار'. ومن خلال المزاوجة بين النموذج الأولي لنصب يوم الأرض (1977) وعمل ناردين سروجي المعاصر '360'، تتجلى أمامنا فكرةٌ جوهرية: نحن لا نستعيد الحدث التاريخي ذاته، بل نبتكر صيغةً متجددة لحضوره، في محاولةٍ مستمرة لانتشال تلك اللحظة من 'وادي' النسيان.
تنكشف المساحة الأولى كسرديّةٍ لـ"تنقيب انتشاليّ". ففي عام 2007، أدّى العثور على قصاصة قديمة من جريدة "الاتحاد" إلى الانطلاق في بحثٍ عن النّموذج الأصليّ المفقود لنصب يوم الأرض، الذي قام بإنتاجه الفنّانان عبد عابدي وجرشون كنيسبل. لم يكن ذلك مجرد بحثٍ في أرشيفٍ ورقيّ، بل تقصّياً ميدانيًّا في طبيعةٍ وعرة التضاريس؛ حيث ظلت المجسمات متروكةً لعقدين من الزمن في وادي جبل الكرمل في حيفا، غارقةً تحت ركام الأشواك وإبر الصنوبر. تجلّى فعل الاستعادة هذا إلى تدخّلٍ أثريّ، أعاد صياغة تلك البقايا المهملة لتصبح نموذجاً لنصبٍ تذكاريّ يرافق إحياء ذكرى يوم الأرض منذ عقدين، انطلاقاً من تلك القصاصة التي نشرت عام 1977.
في المساحة الثانية، ننتقلُ إلى نمطٍ آخر من "الاستحضار"؛ وهو استحضارٌ تصوريّ وبصريّ يتجسّد في عمل ناردين سروجي (360). فبينما انتُشل نموذج سخنين فعليًّا من وادي جبل الكرمل، يستحضرعمل سروجي منحوتة البرتقال القائمة في حي المنشية في يافا، منتزعاً إياها من حالة الإغفال التي تفرضها رتابة الحياة اليوميّة. تمثّل المنحوتة نقطة تصادم لعدّة طبقات: حجر المدينة القديم، برتقال يافا، والمكعب الإسمنتيّ لتل أبيب. توثّق سروجي هذا الموقع عبر صورة بانورامية بزاوية 360 درجة، مطبوعةً على شكلٍ دائريّ بارتفاع مترين.
في الوقت الذي تسعى فيه سروجي إلى توثيق النصب، فإنها تفكك سلطة التوثيق التقليدية وقدرته على تقييد الرؤية عبر الانتقاء أو الحجب. فهي تدفع المشاهد نحو فعلِ حركةٍ دائمة؛ ليجوب حول العمل حتى تتكشف البانوراما كاملةً، معرّيةً الطبقات السوسيو-اقتصادية والجيوسياسية للواقع المعاصر من كلّ زاوية. وبينما يبرز "متحف الإتسل" وحي المنشية في المشهد، فإن دائريّة العمل المخيّطة بإحكام والمرفوعة عن الأرض تخلق بنيةً مغلقة تمنع الدخول. إنّها "مسافة مزدوجة": فنصب المنشيّة هو صيغة لاستحضار التّاريخ، وعمل سروجي هو استحضارٌ لهذا الاستحضار؛ لنصطدم في النهاية بإدراكٍ مفاده أنه كلما حاولنا الإمساك بـ 'الكلّ'، ازددنا ابتعاداً عن الجوهر."
تكشف هاتان المساحتان معًا أن الذّاكرة فعلٌ تكراري. فعبر كلّ من “التنقيب الانتشالي” في وادي الكرمل وستارة الـ360 درجة، ينمو مسارٌ يعبر الفجوة القائمة بين الحدث الأصليّ ونسخته وذاكرته. إنهما يذكّراننا بأن التّاريخ ليس وجهة ثابتة يبلُغها التوثيق، بل هو بنية ديناميكيّة يتشكّل معناها ويتطوّر مع كلّ فعل استحضار. وسواء عبر المحراث المعدنيّ أو العدسة البانوراميّة، فإنّ الفنّان يشتغل في الحاضر كمنقّبٍ عن الآثار، ليُخرج الصورة من "شبحيّتها", ويضعها في سياق حضور حيّ ومتجدّد.

عبد عابدي (1942)
نشأ عبد عابدي في حيّ وادي الصليب بمدينة حيفا، وحملت طفولته آثار اللجوء والمنفى بعد النكبة، متنقّلًا بين لبنان ودمشق قبل أن يعود إلى مدينته في مطلع الخمسينيّات. انعكست هذه التجربة في أعماله الفنيّة التي انشغلت بالذاكرة والهويّة والإنسان الفلسطينيّ، جامعًا بين حساسيّة الرسّام ودقّة فنّ الحفر والطباعة. درس الفنّ في ألمانيا، وعاد ليصبح من أبرز الأصوات التشكيليّة الفلسطينيّة، حيث امتازت أعماله بلغة بصريّة تجمع الواقعيّة بالتعبير الإنساني العميق.
ناردين سروجي
تنطلق أعمال الفنانة من تفاصيل الحياة اليوميّة والمواد المألوفة، حيث تعيد تشكيل الأشياء والأصوات والصور ضمن تدخّلات فنيّة تزعزع علاقتنا الاعتياديّة بالعالم. تعيش وتعمل في حيفا، وتتنقّل في ممارستها بين وسائط متعدّدة تبحث من خلالها في المسافات الهشّة بين الثبات والحركة، والألفة والاغتراب. تمتاز أعمالها بحسّ تأمّلي ونقدي، يدعو المتلقّي إلى إعادة النظر في المسلّمات والبُنى المحيطة به، عبر لغة بصريّة دقيقة ومفتوحة على الاحتمالات.

مشاركة: الفنّانون عبد عابدي، جرشون كنيسبل، نردين سروجي
تصوير توثيقي: جدعون غيتاي، نقولا عبده، رفيق بكري، أمين بشير، سلام منير دياب | قيمات المعرض: رلى خوري، طال بن تسفي | قيّمان مساعدان: أحمد حليوى وماسة عمر | تصميم غرافيكي: هيا قعوار | تصميم المعرض: أحمد أسعد | إدارة تقنيّة: مروان سطل | المدير: محمود أبو عريشة